السيد محمد تقي المدرسي

116

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

يتطابق مع الخارج ، لمحدوديّة علمنا بالحقائق ، ولوجود ثغرات واسعة في بنيان علمنا وفي مباني لغتنا ، والعلة في غرور البشر في اعتقاده معرفة حقائق الأشياء وجهله بمواضع وأبعاد جهله بِمَنْ حولَه بل وبنفسه . الثانية : ليس الهدف التوغّل في المفهوم إنَّ الناس حين يضعون كلمة الشجرة للأجسام النامية في الغابة فهل هم أحاطوا علماً بكل أبعاد الشجرة أم بظاهرٍ منها ؟ وهل مفهوم الشجرة - على فرض أنّه محور وضع الكلمات - عندي وعندك وعند الآخرين مفهوم واحد ؟ وهكذا فإنَّ الوضع يتم عادة بعد معرفة بعض أبعاد الشيء ، وهذا يكفي لتحقيق هدف اللغة وهو التفاهم ، أما التوغل في معرفة الشجرة فهذا شأن العلوم المختلفة . وهكذا أغلب الكلمات . الثالثة : لايُفهم الكلي إلا من خلال الأفراد ما سبق وأنْ قلناه بأنَّ الكلي المنتزَع عن أفراده ( وهو أغلب الكليات ) لا يُفهم إلّا من خلال تلك الأفراد ، والوضع يتم كذلك . مثلا : كيف عرفنا كُليّ الشجر ؟ أليس برؤية الأشجار ( وهي افراد ذلك الكلي ) ومن ثم إلغاء الخصوصيّات ؟ فليكن الوضع أيضا بهذه الكيفية ، أي التدرج من تصوّر الأفراد إلى العام أو الكلي ، وهكذا العكس . وحيث أنَّ حقيقة الكلي ليست إلّا مجموع أفراده ، فليكن تصوّره تصوّراً لما بعد التوجه إلى الخصوصيّات . ولعل ذلك هو مراد المحقق الخوئي من حديثه حول طبيعة الكليات المنتزَعة . وقد استشكل المحقق الروحاني ( قده ) - حسب تقريرات درسه - على ما أفاده المحقق الخوئي بما يلي : « لو لاحظ الواضع أحد هذه المفاهيم العامة ، ووضع اللفظ بإزاء الأفراد بلا توسيط الإشارة الذهنيّة إليها ( أي بلا أنْ يُحدِّد مراده أنّه يريد الأفراد بخصوصيّاتهم ) بل اكتفى بلحاظ المفهوم وحده ، فقال مثلا : وضعتُ اللفظ الكذائي لفرد الانسان ، كان الموضوع له عاما لا خاصًاً ، إذ الوضع دائما يكون بإزاء الكلي والمفهوم العام ، لا نفس الأفراد » « 1 » .

--> ( 1 ) - منتقى الأصول ، ج 1 ، ص 78 .